إمبراطورية الظل: هل تخفي BYD كارثة مالية قادمة على غرار”إيفرغراند” في قطاع السيارات؟
لفترة زادت عن القرن، كانت صناعة السيارات العالمية قلعة حصينة تهيمن عليها ثلاث قوى كبرى: ألمانيا، اليابان، والولايات المتحدة. أسماء مثل تويوتا، مرسيدس، وفورد لم تكن مجرد شركات، بل كانت فخر اقتصاديات دولها. ولكن في غضون ثلاث سنوات فقط، شهدنا ما يشبه “حمام الدم” المالي لهذه العمالقة؛ حيث انهارت أرباح مرسيدس بنسبة 28%، وفقدت بورش 92% من أرباحها النهائية، بينما أعلنت مجموعة “ستيلانتس” عن أكبر خسارة في تاريخها بلغت 26 مليار دولار.
خلف كل هذه الضربات الموجعة، يبرز اسم واحد يتردد صداه في أروقة مراكز القرار من برلين إلى واشنطن: BYD. الشركة التي كانت في عام 2003 مجرد ورشة صغيرة لبطاريات الهواتف، وأثارت سخرية إيلون ماسك في مقابلة تلفزيونية شهيرة، أصبحت اليوم تبيع سيارات كهربائية أكثر من أي شركة أخرى على الكوكب. ولكن، هل هذا الصعود الصاروخي هو معجزة تكنولوجية، أم أنه أكبر عملية “تستر مالي” في تاريخ الصناعة الحديث؟

اللعبة غير المتكافئة: النمو بـ “التنفس الاصطناعي”
يروج الإعلام الغربي لقصة BYD كنموذج للتكامل العمودي والذكاء الاستراتيجي، لكن الواقع الذي تكشفه الأرقام يشير إلى “لعبة” لا يُسمح لأحد غيرها بلعبها. بين عامي 2015 و2020، ضخت الحكومة الصينية ما يقرب من 4.3 مليار دولار كدعم مباشر للشركة.
في عام 2016، حدث أمر مريب؛ حيث كانت قيمة الشيكات التي تلقتها BYD من بكين تتجاوز صافي أرباح الشركة بالكامل. وهذا يعني حقيقة صادمة: لولا تدخل الدولة الصينية، لكانت BYD شركة خاسرة ومفلسة تقنياً في ذلك العام. هذا الدعم لا يتوقف عند المنح المباشرة، بل يمتد إلى قروض بدون فوائد، وأراضٍ مجانية للمصانع، وعقود حكومية مضمونة لآلاف الحافلات وسيارات الأجرة. بفضل هذا “المنشط المالي”، تستطيع BYD بيع سياراتها بأسعار تقل عن التكلفة الحقيقية، بينما تقف شركات مثل فولكس فاجن عاجزة عن المنافسة لأن هوامش ربحها تخضع لقوانين السوق، لا لأوامر الحزب.
فخ الديون المخفية: أرقام تحت السجادة
التصدع الحقيقي بدأ يظهر في مطلع عام 2025، عندما أصدرت شركة “GMT Research” للأبحاث تقريراً وقع كالقنبلة في الأوساط المالية. كشف التقرير أن الديون الحقيقية لشركة BYD ليست 42 مليار يوان كما تدعي التقارير الرسمية، بل هي أقرب إلى 323 مليار يوان؛ أي ثمانية أضعاف الرقم المعلن.
كيف أخفت الشركة هذا المحيط من الديون؟ السر يكمن في “تمويل سلسلة التوريد”. بدلاً من الاقتراض من البنوك، تقوم BYD بإجبار مورديها على الانتظار لمدة تصل إلى 275 يوماً للحصول على مستحقاتهم، بينما المعيار العالمي في الصناعة هو 60 يوماً فقط. بعبارة أخرى، تحولت BYD إلى مصرف يستخدم أموال الموردين الصغار لتمويل عملياتها دون إدراج ذلك كديون رسمية في ميزانيتها. هذه الممارسة هي النسخة الكربونية مما فعلته شركة “إيفرغراند” العقارية الصينية قبل انهيارها الملحمي الذي هز الأسواق العالمية.
خدعة “صفر كيلومتر”: مبيعات وهمية ومقابر حديدية
للحفاظ على هيبة “النمو المستمر”، تتبع BYD استراتيجية تثير الكثير من علامات الاستفهام حول مصداقية بياناتها. في نهاية كل شهر، وعند اقتراب موعد إعلان نتائج المبيعات، يُجبر الوكلاء في الصين على تسجيل آلاف السيارات الجديدة بأسماء شركات وهمية (Shell Companies) يسيطرون عليها، ليتم اعتبارها “مبيعات” في السجلات الرسمية.
الواقع خلف هذه الأرقام هو “مقابر السيارات”؛ حيث تظهر لقطات جوية من عام 2024 صفوفاً لا نهاية لها من سيارات BYD الجديدة كلياً وهي تصدأ في حقول مهجورة، دون أن يلمسها مستهلك حقيقي. عندما تعلن الشركة أنها باعت 4.25 مليون مركبة، يظل السؤال المعلق: كم منها وصل فعلياً إلى أيدي البشر، وكم منها تم تسجيله فقط لرفع قيمة السهم؟.
تدهور الجودة والفضائح الحقوقية
مع محاولة التوسع السريع وخفض التكاليف بأي ثمن، بدأت الجودة في التراجع بشكل كارثي. في سبتمبر 2024، نفذت الشركة أكبر عملية استدعاء في تاريخها لـ 97,000 سيارة بسبب عيوب في عمود التوجيه تؤدي لاندلاع حرائق. تلا ذلك استدعاء آخر لـ 115,000 سيارة في أكتوبر 2025.
على المستوى الإنساني، لم تكن الصورة أكثر إشراقاً. في البرازيل، تواجه BYD ملاحقات قانونية بسبب ظروف عمل وصفتها المحكمة بأنها “شبيهة بالعبودية”؛ حيث تم مصادرة جوازات سفر 163 عاملاً صينياً وأُجبروا على العمل لمدة 14 ساعة يومياً دون أيام راحة.
كلمة الختام: هل بدأت الفقاعة بالانفجار؟
الأرقام الأخيرة لعام 2026 تدق ناقوس الخطر؛ حيث انخفض صافي الأرباح بنسبة 19%، وتراجعت المبيعات العالمية بنسبة 41% في الشهر الأول من العام. حتى الحكومة الصينية نفسها أصدرت تحذيراً علنياً لشركات السيارات بأن “حرب الأسعار” الحالية غير مستدامة.
لا يعني هذا بالضرورة أن BYD ستختفي غداً، فهي لا تزال عملاقاً يمتلك موارد هائلة. لكن “المعجزة” التي بُنيت على الديون المخفية، والمبيعات الورقية، والدعم الحكومي غير المحدود، بدأت تظهر عليها شقوق لا يمكن ترميمها. إن قصة BYD ليست مجرد قصة سيارات؛ إنها تحذير لكل من يبني إمبراطوريته على الرمال المتحركة للتلاعب المالي.
مرجع التقرير: بناءً على الوثائق والشهادات الواردة في التحقيق المرئي لـ Statrys: “BYD: The biggest SCAM of the car industry?” [https://youtu.be/tS_fJJxMjn4]
